Dr.eye lash
07-05-2006, 04:11 AM
وَرَحَلاَ...
شقيقان قاسا آلام الحياة معاً.. منع أحدهما نفسه من الابتسام.. كي يبتسم أخوه الآخر، فضّل أحدهما أن يعمل، وأن يجتهد، ويكدّ.. كي يتعلم أخوه الأصغر.
كان يمسحا لبعضهما الدموع، وآهات الحياة القاسية تنوح في أذنيهما، عملا بفرح في الأرض.. رغم صعوبة تلك الأيام.. ومرارتها. ومرّت الأيام، وكبرا.. واقترنا بمن أرادا، ومرت الأيام ومرت، فأصبح لهما الأحفاد، وكبرت العائلتان.
عشقا المسجد، تنافسا على صلاة الفجر.. ذرفا الدموع معا .. خشية من خالقهما، وحمداً له على نعمائه العظام.
سعيدة جداً لأنّي أعرفهما!! لأنهما جداي.. لا أعلم بأيهما أفتخر.. كنت أتمنى أن أكبر لأناقشهما في قضايا كثيرة، وكبرت، ولكنهما رحلا.. قصتهما مع الرحيل طويلة..
رحل الأكبر قبل الأصغر، ولكن لم تعد عقارب الساعة تسير كما كانت في حياة الأصغر.. فلقد تغيرت حياته بعد رحيل شقيقه كلياً.. فالأكبر دخل يوماً منزله الذي أحبه لتناول طعام العشاء، وفجأة.. وبلا سابق إنذار، انقطع الأوكسجين عن رئتيه، نقل إلى المشفى سريعاً، وبعد الفحوصات تبين أن حمامة المسجد أصيبت بسرطان الحنجرة.. الكل حزين، منعه الطبيب من الخروج من المنزل، ولكنه أصر ألا يصلي إلا في بيت الله.. من يوم لآخر، ولمدة ثلاث سنوات، يوماً بعد يوم.. ولحظة بلحظة ينتظر صلاة الجمعة، يتذمّر عندما يبقى عليها الكثير.. يذهب للصلاة مع معاناة الألم، والمرض.. ولكن كما عهدت شموخه.. يأبى الخروج من المسجد، وكما أنه لا يوجد هناك آلام تنهش في جسده النحيل.
تمر الأيام.. لم يبق طبيب إلا رآه، ومع ذلك.. لا يتكلم بشيء مثال للصبر رائع..!!
أراقبه وهو يقترب من موعد نومه، فلا ألمح سوى دمعة يكفكفها بيديه التي قد أشقتهما الحياة، ومرارتها.. وينام.
كم مرة أحاول فيها أن أحادث نفسه حب يس من كتاب الرحمن.. ولكن لا أستطيع فحاجز إيمان قلبه قوي.. تمر الثواني، ويصل ذلك الخبيث إلى معدته التي لم يملأها يوماً إلا بالحلال، وبالرزق الطيب.. يقرر الأطباء.. ماذا؟ استئصال معدته!! ولكن الجميع يرفض، ويبقى القرار له فقد بقي صامتا.. وما زال لسانه يسأل، ويلح عن متى موعد الجمعة؟!!
مَاذَا فِي يَومِ الجُمُعَة؟
تشرق شمس ذلك اليوم على جهة واحدة في مدينتي، فلقد لبدت الغيوم المسجد الجامع، ولبدت تلك المقبرة غيوماً لا تشأ إلا أن تذرف قطرات من دموع المطر..
ساعات رهيبة، الجسد بقي، وصعدت الروح للسماء قبل صلاة الجمعة بلحظات، كما كان يردد طيلة أيام صبره، وآهاته التي لم يشأ أن تغادر قلبه.. حتى لا يضيع أجرها في السماوات العلى، وعند خالق هذه السماوات..
صعدت عالياً روحه الطاهرة، وحمل نعشه الطاهر سريعاً.. الكل مندهشاً! أن تحول ذلك الجسد الذي شارف على السبعين من السنين إلى جسدٍ كجسد شاب لم يتجاوز العشرين من عمره.. أصبحت تلك الأصابع التي قد جعدتها الأيام.. أصابع طفل في ملمس نعومتها.. دموع ساخنة ذرفت، وبقي الحزن يخيم على الأهداب، وعلى الحياة شهوراً، ممزوجة برؤيا قد رأيتها يوم مماته.. بإشراقة ذلك الوجه الطاهر بين غيوم السماء بقوله: لا تحزنوا.. أنا بخير.. أحداث غريبة.
لم يرد له القدر أن يرى اليهودّي.. وهو داخل للأقصى الحبيب، فصعدت روحه قبل ذلك.. أدخل الجسد الغريب تشييعه القبر، فقد تم بسرعة وفي أقل من الدقائق.
ولم أدر كيف أنّى لهم أن يحثوا التراب عليه.. على ذلك الجسد، الذي عشق السجود، فعشق الروح للآذان، ولصلاة الفجر.. قد صعدت للعلى.. دخل ذلك الجسد الطاهر القبر.. ولم أعلم ما معنى القبر؟ في ذلك الوقت!..
أحسست بعد سنة من فراقه، بأن قلبي يتمزق لفقده، فلقد اشتقت إليه.. يزداد اشتياقي له..
وتمر اللحظات والساعات، وأتعلق بأخيه الأصغر الذي عوضت من خلاله نقص عدم رؤية أخيه الأكبر.. فأحببته بحبّين، وكأنه يحمل قلبين، قلب له، وقلب لحبيبه، وأظنّ الحقيقة كانت كذلك..
وَمَاذَا بَعْد؟
بمرور الثواني أتوق للنظر إليه، كنت أزوره مراراً، وكان لساني يتلعثم بمجرد وضع عيني في عينيه، وكأنني أرى فيه أخيه الأكبر.. تخنقني العبرات، وتقف الكلمات.. أقبّله، وأبقى صامتة.. لا أعلم بماذا أبدأ حديثي؟.
يبتسم ابتسامة رائعة لرؤيتي ويذكرني بأنني ابنة أحب أبنائه إليه.. يسرح بخياله محلقاً بين كلمات كتاب الرحمن، ويذكر اسم أخيه، ثم يغمض عينيه، ويرسم ابتسامة ناعمة على شفتيه، ثم يقبّل يدي.. ابتسامته تقل يوماً بعد يوم، وتمرّ سنتان، وحاله كما هو.. فريحانة المسجد لم تعد تحملها الحمامة، فلقد رحلت الحمامة بلا عودة، وبقيت الريحانة تنشر عبيرها، حتى يتذكر الناس الحمامة..
يخرج فجراً، ويطرب الآذان بسورة الإنسان التي عشقها، فتذرف العيون دموعاً، يمسحها عبق شراب أهل الجنة، فهم يشربون في كأس كان مزاجها كافوراً.. فالكافور، والسلسبيل تحول القلوب إلى أن تشتاق لتلك الدار الباقية.
يخرج من المسجد، ويسير بسيارته السوداء، التي يتفطر قلبي لرؤيتها الآن.. يخرج بشموخه من المسجد، وعند ذهابه.. يذهب إلى المقبرة يلتفت.. لا يلبث إلا أن تذرف عيناه الدموع، وما أقصى دموع الرجال الأوفياء الشجعان..
يعود إلى منزله، وينظر إلى منزل شقيقه.. فإنا لله وإنا إليه راجعون، يصل لمنزله، ويبدأ بمراجعة كتاب الله حتى يتسنى له ختمه في يوم الجمعة.
واشْتَاقَ لِرُوحِ أَخيْه..
تمر اللحظات، ويدب في جسده المرض، يلتزم الصمت، لا يخبر أحداً بذلك.. وجهه أصبح أصفر اللون.. جدي.. ماذا بك؟
لا شيء، الحمد لله على نعمائه، ويبتسم.. "قال الحبيب"..
يكررآن للأرواح أن تلتقي، لا أستطيع العيش من دون ذلك الذي كدّ، وشقي، وتعب من أجلي.. كان لي الأب، والأخ، والابن، والأم.. كان سندي بعد الله.
فحوصات، وتحاليل، ومواعيد من مشفى لآخر.. صحته تتدهور. قاس الألم، وتناساه، فلسانه لم يلهج إلا بذكر الله.. كبده قد تفطر من الحزن على أخيه، فأنهكه المرض، وكثرة الحزن.. فأصبح لا يعمل إلا بتذكره للحمامة، وبصوتها الهديلي الشدي.. يتكرر المشهد من جديد.. ولكن قلبي يتفطر.. آه.. لأنه لم يبق لي إلا هذا الحبيب. استيقظ ليلة الجمعة على رؤيا فهو في قصر رائع، بل هو لا يستطيع وصفه، وهو بذلك كالسلطان فيه.. يدبّ الحزن في داخلي.. فهذا برهان على أن موعد زفافه قد اقترب.. وتمرّ الساعات، وأنا لا أريد للثانية التي فيها الخبر أن تأتي.. ولكن العزيز الرّحيم شاء أن تصعد تلك الروح التي لم ترتفع إلا بعد أن أكملت ختم القرآن آخر ختمة له على ظاهر الأرض.. وبعد أن نطق بالشهادتين بالرغم من تغطية جسده بالأجهزة في وحدة العناية المكثّفة..
استيقظت فزعة، ولم تكن رؤيا هذه المرة، بل هي حقيقة، وواقع مؤلم فإنا لله وإنا إليه راجعون، خيم الحزن ذلك اليوم على قلبي، وعلى كل القلوب.. وجاءت اللحظة الحاسمة لوداعه، فماذا حدث؟؟.
الدَّقَائقُ الأَخيرَةُ.. وَدَاعاً
غُسل وجهي بالدّمع الحزين قبل أن أغسله بالماء، ألتفتُ يمنةً، ويسرةً، فلم أجد سوى الحزن والدموع.. أكذّب لنفسي الحدث.. الحمد لله على قضائك، وقدرك "قالتها نفسي".
إن القلب ليحزن، وليتقطع حزناً على فراقك يا جدّي.
وفجأة.. دخلت تلك الجنازة، ولكأن الملائكة تحملها، نظرت إلى عينيه.. ولكنها مقفلة لم تنظر إلي .. ازداد بكائي..
جدي.. أنظر إليّ.. أناديه ولم يجب.. أفقت من صدمتي، وقبلته قبلة المودّع،.. فلا رؤية له بعد اليوم على ظاهر الكرة الأرضية.. لا أرى سوى جسداً.. فروحه صعدت للسماوات العُلى..
ساعات وكأنني أحلم.. أفيق في لحظة، وأعتقد أنني في كوكب آخر لحيظات أخرى.. فلم أعهد في حياتي بكاء رجال بهذا المنظر، عادت لي الذكرى ليوم استشهاد الشيخ أحمد ياسين ـ رحمه الله ـ.. كان كل الناس يبكون.. وها هو اليوم يتكرر المشهد، أحسست بأنه ستخرج مع كل زفرة من أنفاسي روحي.. ابتسامته لا تكاد تفارق عيني.. أبكيك يا جدي دماءً يا ريحانة المسجد، أصبحت أسمع أنين المسجد لفراقه.. وحملت الجنازة.. فلا أسمع سوى التكبير.. عادوا ولكن الظلام ساد المكان، وسكن الجوّ، وانتشر الصمت.
جنازة شبيهة بجنازة أخيه الراحل قبل بضع سنين، فسرهما في جنازتيهما.. فهي سريعة.. أصبح الموكب يجري، ويسرع فكأن الجنازة هي التي تحركه.. سبحانه الله.. مشهد غريب جداً..
مضت أيام العزاء.. لم أستطع النّظر للطريق المؤدي إلى بيته فيما بعد.. ولم أدخل منزله.. ولكني ما زلت أنظر من النافذة، لعلّي أراه بين الوافدين على الحيّ.. فلقد انطفأ السراج.:( :(
شقيقان قاسا آلام الحياة معاً.. منع أحدهما نفسه من الابتسام.. كي يبتسم أخوه الآخر، فضّل أحدهما أن يعمل، وأن يجتهد، ويكدّ.. كي يتعلم أخوه الأصغر.
كان يمسحا لبعضهما الدموع، وآهات الحياة القاسية تنوح في أذنيهما، عملا بفرح في الأرض.. رغم صعوبة تلك الأيام.. ومرارتها. ومرّت الأيام، وكبرا.. واقترنا بمن أرادا، ومرت الأيام ومرت، فأصبح لهما الأحفاد، وكبرت العائلتان.
عشقا المسجد، تنافسا على صلاة الفجر.. ذرفا الدموع معا .. خشية من خالقهما، وحمداً له على نعمائه العظام.
سعيدة جداً لأنّي أعرفهما!! لأنهما جداي.. لا أعلم بأيهما أفتخر.. كنت أتمنى أن أكبر لأناقشهما في قضايا كثيرة، وكبرت، ولكنهما رحلا.. قصتهما مع الرحيل طويلة..
رحل الأكبر قبل الأصغر، ولكن لم تعد عقارب الساعة تسير كما كانت في حياة الأصغر.. فلقد تغيرت حياته بعد رحيل شقيقه كلياً.. فالأكبر دخل يوماً منزله الذي أحبه لتناول طعام العشاء، وفجأة.. وبلا سابق إنذار، انقطع الأوكسجين عن رئتيه، نقل إلى المشفى سريعاً، وبعد الفحوصات تبين أن حمامة المسجد أصيبت بسرطان الحنجرة.. الكل حزين، منعه الطبيب من الخروج من المنزل، ولكنه أصر ألا يصلي إلا في بيت الله.. من يوم لآخر، ولمدة ثلاث سنوات، يوماً بعد يوم.. ولحظة بلحظة ينتظر صلاة الجمعة، يتذمّر عندما يبقى عليها الكثير.. يذهب للصلاة مع معاناة الألم، والمرض.. ولكن كما عهدت شموخه.. يأبى الخروج من المسجد، وكما أنه لا يوجد هناك آلام تنهش في جسده النحيل.
تمر الأيام.. لم يبق طبيب إلا رآه، ومع ذلك.. لا يتكلم بشيء مثال للصبر رائع..!!
أراقبه وهو يقترب من موعد نومه، فلا ألمح سوى دمعة يكفكفها بيديه التي قد أشقتهما الحياة، ومرارتها.. وينام.
كم مرة أحاول فيها أن أحادث نفسه حب يس من كتاب الرحمن.. ولكن لا أستطيع فحاجز إيمان قلبه قوي.. تمر الثواني، ويصل ذلك الخبيث إلى معدته التي لم يملأها يوماً إلا بالحلال، وبالرزق الطيب.. يقرر الأطباء.. ماذا؟ استئصال معدته!! ولكن الجميع يرفض، ويبقى القرار له فقد بقي صامتا.. وما زال لسانه يسأل، ويلح عن متى موعد الجمعة؟!!
مَاذَا فِي يَومِ الجُمُعَة؟
تشرق شمس ذلك اليوم على جهة واحدة في مدينتي، فلقد لبدت الغيوم المسجد الجامع، ولبدت تلك المقبرة غيوماً لا تشأ إلا أن تذرف قطرات من دموع المطر..
ساعات رهيبة، الجسد بقي، وصعدت الروح للسماء قبل صلاة الجمعة بلحظات، كما كان يردد طيلة أيام صبره، وآهاته التي لم يشأ أن تغادر قلبه.. حتى لا يضيع أجرها في السماوات العلى، وعند خالق هذه السماوات..
صعدت عالياً روحه الطاهرة، وحمل نعشه الطاهر سريعاً.. الكل مندهشاً! أن تحول ذلك الجسد الذي شارف على السبعين من السنين إلى جسدٍ كجسد شاب لم يتجاوز العشرين من عمره.. أصبحت تلك الأصابع التي قد جعدتها الأيام.. أصابع طفل في ملمس نعومتها.. دموع ساخنة ذرفت، وبقي الحزن يخيم على الأهداب، وعلى الحياة شهوراً، ممزوجة برؤيا قد رأيتها يوم مماته.. بإشراقة ذلك الوجه الطاهر بين غيوم السماء بقوله: لا تحزنوا.. أنا بخير.. أحداث غريبة.
لم يرد له القدر أن يرى اليهودّي.. وهو داخل للأقصى الحبيب، فصعدت روحه قبل ذلك.. أدخل الجسد الغريب تشييعه القبر، فقد تم بسرعة وفي أقل من الدقائق.
ولم أدر كيف أنّى لهم أن يحثوا التراب عليه.. على ذلك الجسد، الذي عشق السجود، فعشق الروح للآذان، ولصلاة الفجر.. قد صعدت للعلى.. دخل ذلك الجسد الطاهر القبر.. ولم أعلم ما معنى القبر؟ في ذلك الوقت!..
أحسست بعد سنة من فراقه، بأن قلبي يتمزق لفقده، فلقد اشتقت إليه.. يزداد اشتياقي له..
وتمر اللحظات والساعات، وأتعلق بأخيه الأصغر الذي عوضت من خلاله نقص عدم رؤية أخيه الأكبر.. فأحببته بحبّين، وكأنه يحمل قلبين، قلب له، وقلب لحبيبه، وأظنّ الحقيقة كانت كذلك..
وَمَاذَا بَعْد؟
بمرور الثواني أتوق للنظر إليه، كنت أزوره مراراً، وكان لساني يتلعثم بمجرد وضع عيني في عينيه، وكأنني أرى فيه أخيه الأكبر.. تخنقني العبرات، وتقف الكلمات.. أقبّله، وأبقى صامتة.. لا أعلم بماذا أبدأ حديثي؟.
يبتسم ابتسامة رائعة لرؤيتي ويذكرني بأنني ابنة أحب أبنائه إليه.. يسرح بخياله محلقاً بين كلمات كتاب الرحمن، ويذكر اسم أخيه، ثم يغمض عينيه، ويرسم ابتسامة ناعمة على شفتيه، ثم يقبّل يدي.. ابتسامته تقل يوماً بعد يوم، وتمرّ سنتان، وحاله كما هو.. فريحانة المسجد لم تعد تحملها الحمامة، فلقد رحلت الحمامة بلا عودة، وبقيت الريحانة تنشر عبيرها، حتى يتذكر الناس الحمامة..
يخرج فجراً، ويطرب الآذان بسورة الإنسان التي عشقها، فتذرف العيون دموعاً، يمسحها عبق شراب أهل الجنة، فهم يشربون في كأس كان مزاجها كافوراً.. فالكافور، والسلسبيل تحول القلوب إلى أن تشتاق لتلك الدار الباقية.
يخرج من المسجد، ويسير بسيارته السوداء، التي يتفطر قلبي لرؤيتها الآن.. يخرج بشموخه من المسجد، وعند ذهابه.. يذهب إلى المقبرة يلتفت.. لا يلبث إلا أن تذرف عيناه الدموع، وما أقصى دموع الرجال الأوفياء الشجعان..
يعود إلى منزله، وينظر إلى منزل شقيقه.. فإنا لله وإنا إليه راجعون، يصل لمنزله، ويبدأ بمراجعة كتاب الله حتى يتسنى له ختمه في يوم الجمعة.
واشْتَاقَ لِرُوحِ أَخيْه..
تمر اللحظات، ويدب في جسده المرض، يلتزم الصمت، لا يخبر أحداً بذلك.. وجهه أصبح أصفر اللون.. جدي.. ماذا بك؟
لا شيء، الحمد لله على نعمائه، ويبتسم.. "قال الحبيب"..
يكررآن للأرواح أن تلتقي، لا أستطيع العيش من دون ذلك الذي كدّ، وشقي، وتعب من أجلي.. كان لي الأب، والأخ، والابن، والأم.. كان سندي بعد الله.
فحوصات، وتحاليل، ومواعيد من مشفى لآخر.. صحته تتدهور. قاس الألم، وتناساه، فلسانه لم يلهج إلا بذكر الله.. كبده قد تفطر من الحزن على أخيه، فأنهكه المرض، وكثرة الحزن.. فأصبح لا يعمل إلا بتذكره للحمامة، وبصوتها الهديلي الشدي.. يتكرر المشهد من جديد.. ولكن قلبي يتفطر.. آه.. لأنه لم يبق لي إلا هذا الحبيب. استيقظ ليلة الجمعة على رؤيا فهو في قصر رائع، بل هو لا يستطيع وصفه، وهو بذلك كالسلطان فيه.. يدبّ الحزن في داخلي.. فهذا برهان على أن موعد زفافه قد اقترب.. وتمرّ الساعات، وأنا لا أريد للثانية التي فيها الخبر أن تأتي.. ولكن العزيز الرّحيم شاء أن تصعد تلك الروح التي لم ترتفع إلا بعد أن أكملت ختم القرآن آخر ختمة له على ظاهر الأرض.. وبعد أن نطق بالشهادتين بالرغم من تغطية جسده بالأجهزة في وحدة العناية المكثّفة..
استيقظت فزعة، ولم تكن رؤيا هذه المرة، بل هي حقيقة، وواقع مؤلم فإنا لله وإنا إليه راجعون، خيم الحزن ذلك اليوم على قلبي، وعلى كل القلوب.. وجاءت اللحظة الحاسمة لوداعه، فماذا حدث؟؟.
الدَّقَائقُ الأَخيرَةُ.. وَدَاعاً
غُسل وجهي بالدّمع الحزين قبل أن أغسله بالماء، ألتفتُ يمنةً، ويسرةً، فلم أجد سوى الحزن والدموع.. أكذّب لنفسي الحدث.. الحمد لله على قضائك، وقدرك "قالتها نفسي".
إن القلب ليحزن، وليتقطع حزناً على فراقك يا جدّي.
وفجأة.. دخلت تلك الجنازة، ولكأن الملائكة تحملها، نظرت إلى عينيه.. ولكنها مقفلة لم تنظر إلي .. ازداد بكائي..
جدي.. أنظر إليّ.. أناديه ولم يجب.. أفقت من صدمتي، وقبلته قبلة المودّع،.. فلا رؤية له بعد اليوم على ظاهر الكرة الأرضية.. لا أرى سوى جسداً.. فروحه صعدت للسماوات العُلى..
ساعات وكأنني أحلم.. أفيق في لحظة، وأعتقد أنني في كوكب آخر لحيظات أخرى.. فلم أعهد في حياتي بكاء رجال بهذا المنظر، عادت لي الذكرى ليوم استشهاد الشيخ أحمد ياسين ـ رحمه الله ـ.. كان كل الناس يبكون.. وها هو اليوم يتكرر المشهد، أحسست بأنه ستخرج مع كل زفرة من أنفاسي روحي.. ابتسامته لا تكاد تفارق عيني.. أبكيك يا جدي دماءً يا ريحانة المسجد، أصبحت أسمع أنين المسجد لفراقه.. وحملت الجنازة.. فلا أسمع سوى التكبير.. عادوا ولكن الظلام ساد المكان، وسكن الجوّ، وانتشر الصمت.
جنازة شبيهة بجنازة أخيه الراحل قبل بضع سنين، فسرهما في جنازتيهما.. فهي سريعة.. أصبح الموكب يجري، ويسرع فكأن الجنازة هي التي تحركه.. سبحانه الله.. مشهد غريب جداً..
مضت أيام العزاء.. لم أستطع النّظر للطريق المؤدي إلى بيته فيما بعد.. ولم أدخل منزله.. ولكني ما زلت أنظر من النافذة، لعلّي أراه بين الوافدين على الحيّ.. فلقد انطفأ السراج.:( :(