سنفورة
06-11-2006, 07:45 PM
أعجبتني هذه الرواية مررررررررررررررررررررررة و حبيت إني أوريكم اياها ، و لا تنسون تعلموني برايكم فيها :rolleyes:
( أنا السبب )
يوم السبت هو يومي المشؤوم ، فهو يعني لي بداية الأيبوع ، أي بداية الدراسة ، و بداية الجد !
في طبعي كنت فتا مرحا أحب الدعابة و المزاح و أنفر من الجادين و المتشددين ، لذلك كان مدرس اللغة العربية ( أكرم ) هو ( الأثقل ) على دمي ، فهو جدي جدا و شديد الصرامة ، و لا يمكن لأي تلميذ أن يجرؤ على التفكير بالمزاح معه و لو خارج حدود المدرسة !
كثيرا ما تعرضت للتوبيخ و العقاب من قبله هو و غيره من المدرسين و المشرفين نتيجة سلوكي اللامبالي على حد تعبيرهم ! مع ذلك ... كنت مصرا على اتخاذ المزاح أسلوبي في الحياة ...
اصطدت عصفورين ذات يوم ، و أخذتهما في صندوق صغير إلى المدرسة ...
و في حصة اللغة العربية ، أطلقتهما فجأة دون أن يلحظني المدرس ... طار العصفوران و دارا في الغرفة و أحدثا فوضى ... و عم الارتباك و الضحك ... و أخذ التلاميذ يقفزون و يحاولون الإمساك بالعصفورين ...
كنت أريد أن أجعل من هذا التمثال الجامد المسمى أكرم أن يبتسم !
انتهى الأمر بفصلي من المدرسة ...
كان خبرا كارثي ... لدى ( أمين ) شقيقي الوحيد ... و تشاجر معي كثيرا ... الأمر الذي جعلني أصر على عدم محاولة الرجوع بأي طريقة ...
و هكذا ... بقيت حرا طليقا مثل ذينك العصفورين ...
ألا ما أجمل الحرية ...
ما أجمل أن ينطلق المرء بلا قيود ... هنا و هناك ...
الشيء الذي كان ينقصني هو سيارة ... لأنطلق حيث أشاء ... و أمين ( شقيقي الوحيد ) لم يكن يملك مبلغا كافيا لشراء سيارة لي ...
خصوصا و هو يعد لتكوين بيته الجديد ... فجعلته يعيرني سيارته بمجرد عودته من عمله ...
ذات يوم ، و كان يوم سبت ، و كنت في التاسعة عشر من عمري ، تعرضت لحادث في تلك السيارة ...
كنت أسير بسرعة جنونية مطلقا تصفيرا مرحا ... فيما كان أخي ( أمين ) الجالس إلى جواري
يصرخ بي بين الحين و الآخر
- خفف السرعة يا مجنون !
شقيقي كان يكبرني بست سنوات ، و قد ارتبط بقريبتنا ( مي ) قبل عدة أشهر ... و هو مقبل على الزواج بعد بضعة أسابيع ...
كنت في طريقي لإيصاله إلى الصالة حيث سيقام الزفاف المرتقب ، لدفع بقية ثمن استئجارها .
لم تكن باهضة الثمن ، فأحوالنا المادية بسيطة و كنا نعتمد على راتب أخي أمين إضافة إلى بعض العوائد السنوية من متجر والدي الراحل ....
إلى جانبي ظهرت سيارة راقية ... لفتت اهتمامي فجعلت أساير سرعتها لأتفحصها ...
و الذي أثار اهتمامي الأكبر هو السائق الذي رأيته بداخلها ...
كان أستاذي الصارم ( أكرم ) ...
ثار حنقي و غضبي الشديد عليه ... لقد طردت من المدرسة بسببه ... و ها هو يركب سيارة فخمة ... سعيدا هانئا !
دخلت معه في سباق تحدي ... أصبحت أتعمد مضايقته ... و أطلقت صيحات و تصفير قوي ... و أضغط على جرس السيارة باستمرار قاصدا إزعاجه ....
كنت أقول بسخرية :
- إلى أين طائر أيها العصفور ؟؟؟ انطلق بحرية !
طردني من المدرسة ، و كان عقابه بالمقابل الطرد من الدنيا !
توفي الأستاذ أكرم فورا بعد الحادث المأساوي .... لقد كان يسير بسرعة هو الآخر ...
علمت بعدها ... أنه كان في طريقه لإحضار زوجته للمستشفى ، فقد كانت على وشك الوضع ...
مولوده الجديد ولد يتيما .... تماما كما ولدت أنا .... و قد كان الطفل الأول ...
تجبرت جميع الكسور التي أصابتني و شفيت كل الجروح ، سوى جرح واحد ... أصاب روحي ... و لم يبرأ ... و لن يبرأ ... ما حييت ...
عندما أعود الى البيت كل يوم ... أراه جالسا في نفس المكان على كرسي العجلات ، يقرأ الصحف ...
و يبدأ جرحي ينزف من جديد ...
كم كانت الدنيا عادلة لو أنها جعلتني أموت عوضا عن الأستاذ أكرم ... أو أصاب بالشلل بدلا من شقيقي الوحيد ...
لكن ميزانها اختل لحظة ذلك الحادث المشؤوم ....
أخي ... و الذي كان مقبلا على الزواج بعد بضعة أسابيع ، أصبح الآن مقعدا على كرسي العجلات ، و كان أول شيء أقدم عليه بعد اجتياز الأزمة ... هو أحلال ارتباطه بـ ( مي ) ... فمي ... لا ذنب لها لتتزوج رجلا مقعدا كما يقول ....
المرح و الدعابة فارقا روحي للأبد ...
كرست وقتي في البحث عن عمل و نجحت بضع مرات و فشلت في الكثير من المرات ... و بعد جهود كبيرة ، تمكنت من الالتحاق بمدرسة ليلية ... وواصلت دراستي كتلميذ مختلف ... مختلف تماما ...
و أمين ، كان رغم ما أصابه يدعمني ... و أصبح يعتمد علي بعدما كنت أنا المعتمد عليه ....
الآن ...
و بعد 16عاما من ذلك الحادث ... أرى تلميذي اليتيم ( نجيب أكرم ) يجد صعوبة في فهم قواعد اللغة العربية ، و التي بدأ تعلمها منذ عدةأعوام ....
كان المدرسون معظمهم يشتكون من اهمال نجيب و تهاونه في المذاكرة ... إضافة إلى سوء سلوكه ...
كان يدخن السجائر ، يكثر الغياب ، يقلل احترام المدرسين ...
عندما أنظر إليه ... أتذكر والده المتوفى ...
هل كان سيربيه على هذه الأخلاق و العادات ... لو ظل حيا ...؟
أصبحت أشعر بمسؤولية تجاه هذا الفتى ... لأنني كنت أنا من تسبب في موت والده ، ربما يجهل هو هذه الحقيقة ، و لكن علي أن أتدخل ...
أم نجيب ، تزوجت من رجل آخر قبل عدة سنوات ، و قد يكون هذا الدافع الأكبر لإهمال تربية نجيب كما ينبغي .
طلبت من نجيب أن يحضر إلى غرفة المشرف ، تحدثت معه مطولا و أعربت له عن رغبتي في مساعدته في دروسه
أمين أبدا تعجبا و استنكارا ، و لم يبدي أي اهتمام ...
أحاديثي مع أمين تكررت ، رغم أن الفتى لم يكن يرحب بنصائحي .
سألني ذات مرة : ( و لم هذا الاهتمام بي أيها الأستاذ ؟ )
كان يلحظ كما يلحظ زملاؤه أنني أوليه اهتماما أكثر من غيره ، اهتماما لا يستحقه أو لنقل لا يجدي معه .
أخبرته بقصة كاذبة ...
( هكذا كان والد المرحوم يعاملني عندما كنت أحد تلامذته . أردت أن أرد له الجميل الذي أحمله منذ سنين )
نجيب تفاجأ ، و أخذته الدهشة ... و لكنني أخيرا نجحت في قول ما يثير اهتمامه .
منذ ذلك اليوم ، أصبحت علاقتنا تتقوى مرة بعد مرة ، و أصبح يصغي إلي و يتبع نصائحي و إرشاداتي .
الواضح هو أن الفتى كان يتلهف لمعرف أي شيء عن والده المتوفى . كنت مستمرا في تأليف بعض الأكاذيب
عن علاقتي الرائعة بأستاذي الراحل و كيف أنه كان مثلي الأعلى . الأكاذيب نجحت في جعل نجيب يجتهد في
دراسته ، و يستمر في تقدمه عام بعد عام .
في حفلة تخرجه من المرحلة الثانويةكنت أنا أول المتواجدين و أول المهنئين له . و حمدت الله أنني
قدمت شيئا قد يكفر عن بعض خطيئتي الماضية ...
في العطلة السنوية ، فاجأني نجيب بزيارة غير متوقعة إلى منزلي .
دعوته للدخول و رحبت به . أحضر معه هدية رمزية أهداني إياها شكرا على جهودي معه .
شعرت بسعادة غامرة و رغبته في تناول العشاء معي .
التفت نجيب ناحية شقيقي المقعد ، فأخذت أعرفهما ببعض :
( هذا شقيقي الوحيد أمين .. و سيذيقك أطباقا لن تذوق لها مثيلا في حياتك ! )
ابتسم شقيقي ، فخبرة 16 عاما في المطبخ أكسبت أطباقه مذاقا مميزا .
( و هذا تلميذي العزيز نجيب أكرم ، تخرج من الثانوية قبل أيام )
نظر شقيقي بتأمل إلى وجه نجيب ، فالإسم و الصورة أوحيا له بشيء . قال :
( أأنت ابن الأستاذ أكرم رحمه الله ؟ )
ابتسم نجيب و أجاب بنعم .
قال أمين :
( يا للأيام ! هل أصبحت تلميذا لدى أخي ؟ لا بد أن الأقدار قد رتبت هذا منذ يوم الحادث ! )
و أشار أخي إلى رجله المقعدة . أمين استغرب ، فقال أخي موضحا :
( نعم فأنا مقعد منذ ذلك اليوم و لو كنت مت مع أبيك لكان أفضل ! )
نجيب بدأ يقلب بصره بيني و بين أمين . ثم سأل :
( و ما علاقتك بالحادث الذي مات فيه ابي ؟ )
كنت أدرك أن الحقيقة ستظهر هذه اللحظة . لم أجرؤ على قول شيء . تركت لأخي حرية الكلام العفوي .
قال و هو ينقل بصره بيني و بين نجيب :
( ألم تخبره بأنني كنت معك في السيارة ؟ )
استدرت نحو نجيب ... أقول باذلال و يأس : ( أنا آسف . كيف لي أن أكفر عن ذنبي ؟ )
نجيب سدد إلى وجهي لكمة قوية لم أتلقى مثلها مذ كنت صبيا ، و غادر المنزل تاركا هديته الصغيرة
المغلفة ...
ارتميت على المقعد ... و غلبني شعور بالراحة . لقد عرف الحقيقة في الوقت المناسب . انهى دراسته الثانوية
و هذا أهم ما في الموضوع .
أخذت الهدية المغلفة و فتحتها . كانت عبارة عن تحفة صغيرة مجسمة على شكل كتاب و قلم مرتكزين على
قاعدة خشبية . و مع الهدية قصاصة ورق صغيرة كتب عليها
( إلى من علمني درسا . أستاذي الفاضل . أشعربأنني لم أعد يتيما بعد الآن . شكرا لك )
و آخر الصفحة ... سجل اليوم و التاريخ ...
لقد كان يوم السبت !
بعد ثلاث ساعات وصلنا خبر وفاة نجيب في حادث سيارة مفجع .
__________________
*
*
ت
ح
ي
ا
ت
*
*
( أنا السبب )
يوم السبت هو يومي المشؤوم ، فهو يعني لي بداية الأيبوع ، أي بداية الدراسة ، و بداية الجد !
في طبعي كنت فتا مرحا أحب الدعابة و المزاح و أنفر من الجادين و المتشددين ، لذلك كان مدرس اللغة العربية ( أكرم ) هو ( الأثقل ) على دمي ، فهو جدي جدا و شديد الصرامة ، و لا يمكن لأي تلميذ أن يجرؤ على التفكير بالمزاح معه و لو خارج حدود المدرسة !
كثيرا ما تعرضت للتوبيخ و العقاب من قبله هو و غيره من المدرسين و المشرفين نتيجة سلوكي اللامبالي على حد تعبيرهم ! مع ذلك ... كنت مصرا على اتخاذ المزاح أسلوبي في الحياة ...
اصطدت عصفورين ذات يوم ، و أخذتهما في صندوق صغير إلى المدرسة ...
و في حصة اللغة العربية ، أطلقتهما فجأة دون أن يلحظني المدرس ... طار العصفوران و دارا في الغرفة و أحدثا فوضى ... و عم الارتباك و الضحك ... و أخذ التلاميذ يقفزون و يحاولون الإمساك بالعصفورين ...
كنت أريد أن أجعل من هذا التمثال الجامد المسمى أكرم أن يبتسم !
انتهى الأمر بفصلي من المدرسة ...
كان خبرا كارثي ... لدى ( أمين ) شقيقي الوحيد ... و تشاجر معي كثيرا ... الأمر الذي جعلني أصر على عدم محاولة الرجوع بأي طريقة ...
و هكذا ... بقيت حرا طليقا مثل ذينك العصفورين ...
ألا ما أجمل الحرية ...
ما أجمل أن ينطلق المرء بلا قيود ... هنا و هناك ...
الشيء الذي كان ينقصني هو سيارة ... لأنطلق حيث أشاء ... و أمين ( شقيقي الوحيد ) لم يكن يملك مبلغا كافيا لشراء سيارة لي ...
خصوصا و هو يعد لتكوين بيته الجديد ... فجعلته يعيرني سيارته بمجرد عودته من عمله ...
ذات يوم ، و كان يوم سبت ، و كنت في التاسعة عشر من عمري ، تعرضت لحادث في تلك السيارة ...
كنت أسير بسرعة جنونية مطلقا تصفيرا مرحا ... فيما كان أخي ( أمين ) الجالس إلى جواري
يصرخ بي بين الحين و الآخر
- خفف السرعة يا مجنون !
شقيقي كان يكبرني بست سنوات ، و قد ارتبط بقريبتنا ( مي ) قبل عدة أشهر ... و هو مقبل على الزواج بعد بضعة أسابيع ...
كنت في طريقي لإيصاله إلى الصالة حيث سيقام الزفاف المرتقب ، لدفع بقية ثمن استئجارها .
لم تكن باهضة الثمن ، فأحوالنا المادية بسيطة و كنا نعتمد على راتب أخي أمين إضافة إلى بعض العوائد السنوية من متجر والدي الراحل ....
إلى جانبي ظهرت سيارة راقية ... لفتت اهتمامي فجعلت أساير سرعتها لأتفحصها ...
و الذي أثار اهتمامي الأكبر هو السائق الذي رأيته بداخلها ...
كان أستاذي الصارم ( أكرم ) ...
ثار حنقي و غضبي الشديد عليه ... لقد طردت من المدرسة بسببه ... و ها هو يركب سيارة فخمة ... سعيدا هانئا !
دخلت معه في سباق تحدي ... أصبحت أتعمد مضايقته ... و أطلقت صيحات و تصفير قوي ... و أضغط على جرس السيارة باستمرار قاصدا إزعاجه ....
كنت أقول بسخرية :
- إلى أين طائر أيها العصفور ؟؟؟ انطلق بحرية !
طردني من المدرسة ، و كان عقابه بالمقابل الطرد من الدنيا !
توفي الأستاذ أكرم فورا بعد الحادث المأساوي .... لقد كان يسير بسرعة هو الآخر ...
علمت بعدها ... أنه كان في طريقه لإحضار زوجته للمستشفى ، فقد كانت على وشك الوضع ...
مولوده الجديد ولد يتيما .... تماما كما ولدت أنا .... و قد كان الطفل الأول ...
تجبرت جميع الكسور التي أصابتني و شفيت كل الجروح ، سوى جرح واحد ... أصاب روحي ... و لم يبرأ ... و لن يبرأ ... ما حييت ...
عندما أعود الى البيت كل يوم ... أراه جالسا في نفس المكان على كرسي العجلات ، يقرأ الصحف ...
و يبدأ جرحي ينزف من جديد ...
كم كانت الدنيا عادلة لو أنها جعلتني أموت عوضا عن الأستاذ أكرم ... أو أصاب بالشلل بدلا من شقيقي الوحيد ...
لكن ميزانها اختل لحظة ذلك الحادث المشؤوم ....
أخي ... و الذي كان مقبلا على الزواج بعد بضعة أسابيع ، أصبح الآن مقعدا على كرسي العجلات ، و كان أول شيء أقدم عليه بعد اجتياز الأزمة ... هو أحلال ارتباطه بـ ( مي ) ... فمي ... لا ذنب لها لتتزوج رجلا مقعدا كما يقول ....
المرح و الدعابة فارقا روحي للأبد ...
كرست وقتي في البحث عن عمل و نجحت بضع مرات و فشلت في الكثير من المرات ... و بعد جهود كبيرة ، تمكنت من الالتحاق بمدرسة ليلية ... وواصلت دراستي كتلميذ مختلف ... مختلف تماما ...
و أمين ، كان رغم ما أصابه يدعمني ... و أصبح يعتمد علي بعدما كنت أنا المعتمد عليه ....
الآن ...
و بعد 16عاما من ذلك الحادث ... أرى تلميذي اليتيم ( نجيب أكرم ) يجد صعوبة في فهم قواعد اللغة العربية ، و التي بدأ تعلمها منذ عدةأعوام ....
كان المدرسون معظمهم يشتكون من اهمال نجيب و تهاونه في المذاكرة ... إضافة إلى سوء سلوكه ...
كان يدخن السجائر ، يكثر الغياب ، يقلل احترام المدرسين ...
عندما أنظر إليه ... أتذكر والده المتوفى ...
هل كان سيربيه على هذه الأخلاق و العادات ... لو ظل حيا ...؟
أصبحت أشعر بمسؤولية تجاه هذا الفتى ... لأنني كنت أنا من تسبب في موت والده ، ربما يجهل هو هذه الحقيقة ، و لكن علي أن أتدخل ...
أم نجيب ، تزوجت من رجل آخر قبل عدة سنوات ، و قد يكون هذا الدافع الأكبر لإهمال تربية نجيب كما ينبغي .
طلبت من نجيب أن يحضر إلى غرفة المشرف ، تحدثت معه مطولا و أعربت له عن رغبتي في مساعدته في دروسه
أمين أبدا تعجبا و استنكارا ، و لم يبدي أي اهتمام ...
أحاديثي مع أمين تكررت ، رغم أن الفتى لم يكن يرحب بنصائحي .
سألني ذات مرة : ( و لم هذا الاهتمام بي أيها الأستاذ ؟ )
كان يلحظ كما يلحظ زملاؤه أنني أوليه اهتماما أكثر من غيره ، اهتماما لا يستحقه أو لنقل لا يجدي معه .
أخبرته بقصة كاذبة ...
( هكذا كان والد المرحوم يعاملني عندما كنت أحد تلامذته . أردت أن أرد له الجميل الذي أحمله منذ سنين )
نجيب تفاجأ ، و أخذته الدهشة ... و لكنني أخيرا نجحت في قول ما يثير اهتمامه .
منذ ذلك اليوم ، أصبحت علاقتنا تتقوى مرة بعد مرة ، و أصبح يصغي إلي و يتبع نصائحي و إرشاداتي .
الواضح هو أن الفتى كان يتلهف لمعرف أي شيء عن والده المتوفى . كنت مستمرا في تأليف بعض الأكاذيب
عن علاقتي الرائعة بأستاذي الراحل و كيف أنه كان مثلي الأعلى . الأكاذيب نجحت في جعل نجيب يجتهد في
دراسته ، و يستمر في تقدمه عام بعد عام .
في حفلة تخرجه من المرحلة الثانويةكنت أنا أول المتواجدين و أول المهنئين له . و حمدت الله أنني
قدمت شيئا قد يكفر عن بعض خطيئتي الماضية ...
في العطلة السنوية ، فاجأني نجيب بزيارة غير متوقعة إلى منزلي .
دعوته للدخول و رحبت به . أحضر معه هدية رمزية أهداني إياها شكرا على جهودي معه .
شعرت بسعادة غامرة و رغبته في تناول العشاء معي .
التفت نجيب ناحية شقيقي المقعد ، فأخذت أعرفهما ببعض :
( هذا شقيقي الوحيد أمين .. و سيذيقك أطباقا لن تذوق لها مثيلا في حياتك ! )
ابتسم شقيقي ، فخبرة 16 عاما في المطبخ أكسبت أطباقه مذاقا مميزا .
( و هذا تلميذي العزيز نجيب أكرم ، تخرج من الثانوية قبل أيام )
نظر شقيقي بتأمل إلى وجه نجيب ، فالإسم و الصورة أوحيا له بشيء . قال :
( أأنت ابن الأستاذ أكرم رحمه الله ؟ )
ابتسم نجيب و أجاب بنعم .
قال أمين :
( يا للأيام ! هل أصبحت تلميذا لدى أخي ؟ لا بد أن الأقدار قد رتبت هذا منذ يوم الحادث ! )
و أشار أخي إلى رجله المقعدة . أمين استغرب ، فقال أخي موضحا :
( نعم فأنا مقعد منذ ذلك اليوم و لو كنت مت مع أبيك لكان أفضل ! )
نجيب بدأ يقلب بصره بيني و بين أمين . ثم سأل :
( و ما علاقتك بالحادث الذي مات فيه ابي ؟ )
كنت أدرك أن الحقيقة ستظهر هذه اللحظة . لم أجرؤ على قول شيء . تركت لأخي حرية الكلام العفوي .
قال و هو ينقل بصره بيني و بين نجيب :
( ألم تخبره بأنني كنت معك في السيارة ؟ )
استدرت نحو نجيب ... أقول باذلال و يأس : ( أنا آسف . كيف لي أن أكفر عن ذنبي ؟ )
نجيب سدد إلى وجهي لكمة قوية لم أتلقى مثلها مذ كنت صبيا ، و غادر المنزل تاركا هديته الصغيرة
المغلفة ...
ارتميت على المقعد ... و غلبني شعور بالراحة . لقد عرف الحقيقة في الوقت المناسب . انهى دراسته الثانوية
و هذا أهم ما في الموضوع .
أخذت الهدية المغلفة و فتحتها . كانت عبارة عن تحفة صغيرة مجسمة على شكل كتاب و قلم مرتكزين على
قاعدة خشبية . و مع الهدية قصاصة ورق صغيرة كتب عليها
( إلى من علمني درسا . أستاذي الفاضل . أشعربأنني لم أعد يتيما بعد الآن . شكرا لك )
و آخر الصفحة ... سجل اليوم و التاريخ ...
لقد كان يوم السبت !
بعد ثلاث ساعات وصلنا خبر وفاة نجيب في حادث سيارة مفجع .
__________________
*
*
ت
ح
ي
ا
ت
*
*