عنوان الموضوع [ سيزان.. تأصيل التجديد بألوان وتصميمات خاصة ]
مشاهدات [ 330 ] تاريخ النشر [ 2009-01-10 ]


هناك في الفن التشكيلي، كما هي الحال في الفنون الاخرى، شخصيات يحيط بها الغموض والجاذبية، لاسباب مختلفة، منها ما يتعلق بالابداع وخصوصيته او مايتعلق بالحياة نفسها، ونجد هذا الغموض وتلك الجاذبية مرتبطين بأسماء من عصور ومراحل مختلفة، اما في الماضي البعيد فقد وصلت إلينا ابداعات خاصة ومبهرة، ولكن اسماء مبدعيها ظلت مجهولة.

هذه الحالة الخاصة تشمل رائد المدرسة الانطباعية في الفن الحديث بول سيزان (1839 ـ 1906) الذي تعرض لهجوم قاس وهو يشق طريقه بصعوبة لتطوير تجربته التي تركت تأثيرا واضحا على اعمال عدد من كبار الفنانين البارزين مثل ماتيس وبيكاسو وكاند نيسكي وجاسبار جونز.

كسر القواعد الاكاديمية


كان سيزان جريئا في اكتشاف خطوطه وألوانه الخاصة، وكان يواجه اخفاقاته المتعددة بعناد الواثق من نفسه، ليحول تلك الاخفاقات الى انتصارات مبهرة، وصارت اعماله تحصد اسعارا خيالية في سوق الفن، ومع ذلك فان الغموض لا يزال يكتنف هذه الاعمال وشخصية مبدعها الذي مهد الطريق أمام أجيال من الفنانين، وكانت ابتكاراته المتعددة تثير الاسئلة دائما، ومن هذه الابتكارات كسر القواعد الاكاديمية في الرسم، وخصوصا في موضوعات الطبيعة الصامتة، حيث يقوم بتحريف الاشكال، حتى تبدو الاشكال المرسومة وكأنها منظورة من زوايا متعددة، كما يقسم بعض لوحاته الى مسطحات، لتبدو وكأنها منحوتة، او تحمل ابعاد المنحوتة، كما ان بعضها يقترب من الصور الضوئية، ولكن جاذبيته في الخطوط والألوان والتصميم تبتعد به عن التوثيق الذي تحمله الصورة الضوئية وتعطيه قيمة فنية وابداعية عالية.


انكسارات وانتصارات



ومع ان نزعة الفن كانت مبكرة لدى سيزان الا انه التحق بكلية الحقوق تحت ضغط من والده الذي يرغب في حماية مصالحة المتنامية، ولكن سيزان تخلى عن دراسة الحقوق وسافر الى باريس وانتسب الى الاكاديمية الفنية السويسرية، وكان لقاؤه مع بيسارو مؤثرا في حياته الفنية المبكرة، فاتجه الى الرسوم العاطفية والميلودرامية التي تحمل مسحة من تأثيرات اعمال ديلاكروا، لكن تأثير بيسارو دفعه الى رسم الطبيعة بتقنية انطباعية، فاشترك في المعرض الاول الذي اقامه الانطباعيون في باريس عام 1874، وكانت احدى لوحاته هدفا لهجوم الجمهور والنقاد ضد التيار الانطباعي، وتركز هذا الهجوم على لوحة مانيه «أولمبيا» بشكل خاص، وهذا مادفع سيزان الى الامتناع عن الاشتراك في المعرض الثاني الذي اقيم بعد عامين، فقد كان مشغولا بتطوير اسلوبه لكي يشترك في المعرض الثالث عام 1877 بقوة، حيث عرض ستة عشر عملا، وحظي باعجاب الجمهور والنقاد، وكتب احد النقاد يشير الى التطور المثير في تجربة سيزان وابتعاده عن تأثيرات ديلاكروا.

اللون والايقاع


تركز اهتمام سيزان بعد نجاحاته الاولى على تحليل اثر اللون، في عكس الضوء والظل في اللوحة وتفاصيلها، وقال: «ان الالوان عندما تكون غنية فان الاشكال ستكون اكثر اكتمالا»، وهو يريد «ان يجعل من الانطباعية فنامتينا ودائما مثل فن المتاحف». ولهذا فانه يريد من الالوان ان تعطي الانطباع الاقصى للأشكال المرسومة، لأنه يرى ان اللون والايقاع يمثلان وحدة متكاملة، وليست منفصلة.


بعد ان توفى والده ورث سيزان ثروة طائلة، ساهمت في تدعيم استقراره وتأصيل بحثه الدائم عن اسلوبه الخاص، ودعى الى اقامة معرض له في بروكسل، واصبح اسمه حاضرا في كل المحافل والنشاطات الفنية في اوروبا وخارجها، وان كان هذا الحضور متأخرا.

سيزان وزولا


ارتبط سيزان بعلاقة مبكرة مع رائد الرواية الطبيعية الفرنسية اميل زولا (1840 ـ 1902)، وكانت هذه العلاقة مثار اهتمام النقاد لفترة طويلة، لانها تركت آثارا متبادلة بين الفن التشكيلي والأدب الروائي.


كان اللقاء الأول بينهما في المدرسة في «اكس آن بروفنس» وهما لم يتجاوزا الثانية عشرة، ونشأت بينهما صداقة حميمة، مع ان زولا كان يتيما بائساً، بينما كان سيزان يعيش في ظل عائلة ثرية، فقد كان أبوه من رجال الأعمال والمصارف، وكانت لدى الصبيين قناعة بأن لديهما مواهب خاصة، وطموحات عالية، ولكنهما افترقا عام 1858 حينما سافر زولا مع أمه إلى باريس، وظل سيزان في البلدة نفسها، ولكن زولا لم ينسجم بسهولة مع اجواء الحياة الباريسية، في الفترة التي تغيرت فيها ملامح هذه المدينة بفعل تصميمات المهندس المعماري الشهير هوسمان، ولكن المراسلات استمرت بين الصديقين المتباعدين حتى وصل سيزان الى باريس عام 1861، فوجد ان صديقه زولا قد تغير كثيرا، وانساق مع عصبة من الشبان المرحين، نحو حياة بوهيمية مكشوفة.

المواجهة

في عام 1874 أثارت لوحة «أولمبياد الجديدة» لادوار مانيه ضجة في الوسط الفني الباريسي، وكان سيزان من المتحمسين لأسلوب مانيه، فدعا صديقه زولا إلى زيارة المعرض الذي يضم تلك اللوحة، كما استمع زولا إلى أحاديث مطولة من سيزان عما يجري من فساد ودسائس في الوسط الفني، وانبرى زولا ونشر عدداً من المقالات الصحفية دفاعا عن التجديد في أعمال مانيه والفنانين الآخرين، لكن هذه المقالات توقفت فجأة بعد ان تعرض الناشر لضغوط قاسية من الفنانين التقليديين والمحافظين، وأصاب العلاقة بين الصديقين القديمين فتور وجفاء وصل الى حد المقاطعة، ثم المواجهة، بعد ان نشر زولا رواية بعنوان «المهمة» تظهر فيها الشخصية الأساسية بملامح شخصية سيزان، وتعيش تجربة عبقرية مجهضة، كما كتب زولا: إن سيزان يبل ريشته في القذارة، ومع ان زولا كان يعاني من صراعات مع عدد من المثقفين إلا انه صب غضبه على صديقه القديم.

جاذبية خاصة

اذا كان سيزان في بداياته متأثرا بأعمال ديلاكروا وروبنز في مرحلته الانطباعية الأولى، فانه صار بعد اقترابه من التكعيبية والتركيبية ثم التعبيرية مؤثرا في اعمال الآخرين من جيله والأجيال اللاحقة، وهاهو يعود في السنوات الأخيرة من حياته الى موضوعاته الأولى: المستحمات، وبيوت في الريف، بمتعة واحتفالية لونية مبهرة، حيث تشع الفتنة الانثوية بألوان الرغبة والحب، كما تلمع السطوح القرميدية وتتحول إلى متعة هندسية معقدة، أما المنازل القديمة والأكواخ وتدرجات الجبال فانها تغري سيزان دائما بإعادة تركيبها، أو تصميمها، بجاذبية لونية وخطية قد لا نجد لها مثيلا في الواقع.

بقلم: بندر عبدالحميد




جميع الحقوق محفوظة لموقع رشا العمر